ابن حجة الحموي

205

خزانة الأدب وغاية الأرب

ولا رعى الله قلبي * فكم رعى لك عهدك فمن ترى أنا حتى * جعلت صدري وكدك وما عشقتك وحدك * بلى عشقتك وحدك وكم أطعتك جهدي * وكم تجنيت جهدك وبعد هذا وهذا * وذاك لا ذقت فقدك ويعجبني في هذا الباب رشاقة ناصر الدين بن النقيب بقوله سلك الشوق بقلبي * بعدكم صعب المسالك ورمى قلبي بنيران * ولا نيران مالك هذه بعض صفاتي * طالع العبد بذلك وأظرف ما رأيت في باب الانسجام الغرامي المترجل ما أورده صاحب روضة الجليس ونزهة الأنيس ذكر أنه كان بأفريقية رجل نبيه شاعر مفلق وكان يهوى غلاما من غلمانها جميلا فاشتد كلفه به وكان الغلام يتجنى عليه ويعرض عنه كثيرا فانفرد بنفسه ليلة جمع فيها بين سلاف الراح وسلاف الذكر فتزايد به الوجد وقام على الفور وقد غلب عليه السكر ومشى إلى أن انتهى إلى باب محبوبه ومعه قبس نار فوضعه عند باب الغلام فلما دارت النار بالباب بادر الناس بإطفائها واعتقلوه فلما أصبحوا نهضوا به إلى القاضي فأعلموه بفعله فقال له القاضي لأي شيء أحرقت باب هذا الغلام فقال مرتجلا لما تمادى على بعادي * وأضرم النار في فؤادي ولم أجد من هواه بدا * ولا معينا على السهاد حملت نفسي على وقوفي * ببابه حملة الجواد فطار من بعض نار قلبي * أقل في الوصف من زناد فأحرق الباب دون علمي * ولم يكن ذاك من مرادي فرق القاضي لارتجاله الغرامي وتحمل عنه جناية الباب وقد انتهت الغاية بنا إلى غراميات العارفين وابن الفارض هو قائد زمامها وقتيل غرامها فمن قوله في هذا الباب الذي ليس لغيره فيه مدخل ما ألفته من تائيته وجعلته قصيدا غراميا ينتظم بها شمل الانسجام وإذا هب نسيمها العذري تنسمت العشاق منه أخبار الغرام وهو قوله نعم بالصبا قلبي صبا لأحبتي * فيا حبذا ذاك الشذا حين هبت تذكرني العهد القديم لأنها * حديثة عهد عن أهيل مودتي فلي بين هاتيك الخيام ضنينة * علي بجمعي سمحة بتشتتي محجبة بين الأسنة والظبا * إليها انثنت ألبابنا إذ تثنت تتيح المنايا إذ تبيح لنا المنى * وذاك رخيص منيتي بمنيتي متى أوعدت أولت وإن وعدت لوت * وإن أقسمت لا تبرى السقم برت وإن عرضت أطرق حياء وهيبة * وإن أعرضت أشفق فلم أتلفت وقد سخنت عيني عليها كأنها * بها لم تكن يوما من الدهر قرت فإنسانها ميت ودمعي غسله * وأكفانه ما أبيض حزنا لفرقتي خرجت بها عني إليها فلم أعد * إلي ومثلي لا يقول برجعة فوصلي قطعي واقترابي تباعدي * وودي صدي وابتدائي نهايتي وفيها تلاف الجسم بالسقم صحة * له وتلاف النفس عين الفتوة ولما تلاقينا عشاء وضمنا * سواء سبيلي ذي طوى والثنية